الغزالي

54

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

كلامه وجذب السيف فضرب الأعمى فقتله ، وفتّشه عن الهميان فلم يجده فمضى وتركه . فعند ذلك قال موسى : إلهي وسيدي قد نفد صبري وأنت عادل فعرّفني كيف هذه الأحوال ؟ فهبط جبريل عليه السلام وقال : يا موسى ! الباري تعالى يقول : أنا عالم الأسرار أعلم ما لا تعلم . أما الصبي الصغير الذي أخذ الهميان فأخذ حقه وملكه ، وذلك أن أبا الصبي كان أجيرا لذلك الفارس فاجتمع عليه بقدر ما في الهميان ، فالذي أخذه الصبي حقه . وأمّا ذلك الأعمى فإنه قبل أن يعمى قتل أبا ذلك الفارس ، فقد اقتصّ منه ووصل كل ذي حق إلى حقه وعدلنا وإنصافنا دقيق . فلمّا علم موسى ذلك تحيّر واستغفر . وهذه الحكاية أوردناها ليعلم العقلاء ، ويتصوّر الألبّاء ، أن اللّه جلّ ذكره لا يخفى عليه شيء ، وأنه ينتصف من الظالم في الدّنيا ، ولكن نحن غافلون عمّا جاءنا لا ندري من أين أتانا . سئل ذو القرنين فقيل له : أي شيء أنت به أكثر سرورا ؟ فقال : شيئان : أحدهما العدل والإنصاف ، والثاني : أن أكافئ من أحسن إلي بأكثر من إحسانه . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يحب الإحسان في كل شيء ، حتى إنه يحب إنسانا إذا ذبح شاة أن يمهي لها المدية ليعجل خلاصها من ألم الذبح » « 1 » . وقال موسى عليه السلام : إن اللّه تعالى لم يخلق شيئا في الأرض أفضل من العدل ، والعدل ميزان اللّه في أرضه من تعلّق به أوصله الجنّة . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن للمحسنين في الجنّة منازل ، حتى المحسن إلى أهله وأتباعه » « 2 » . وقال قتادة في تفسير هذه الآية ؛ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ [ الرحمن : 8 ] قال : أراد به العدل ، فقال : يا ابن آدم اعدل كما تحب أن يعدل فيك .

--> ( 1 ) نحوه : سنن أبي داود [ جزء 2 - صفحة 109 ] رقم 2815 . وسنن الترمذي [ جزء 4 - صفحة 23 ] رقم 1409 . وسنن النسائي [ جزء 7 - صفحة 227 ] رقم 4405 . وسنن ابن ماجة [ جزء 2 - صفحة 1058 ] رقم 3170 - ونص الترمذي : « إن اللّه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته » وقال : هذا حديث حسن صحيح . ( 2 ) بمعناه : روى الحاكم في المستدرك [ جزء 1 - صفحة 534 ] رقم 1399 : عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه دلني على عمل إذا عملت به دخلت الجنة قال : « كن محسنا » قال : كيف أعلم أني محسن قال : « سل جيرانك فإن قالوا إنك محسن فأنت محسن وإن قالوا إنك مسيء فأنت مسيء » .